الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية المنصف بن مراد يكتب.. اتحاد الشغل: ايجابيات وسلبيات

نشر في  11 ماي 2016  (11:21)

يتعرض اتحاد الشغل في الوقت الراهن الى هجمات شرسة من بعض الأطراف التي تحاول شيطنته.. وبكلّ تجرد بما انّ الاتحاد ليس مقدسا شأنه شأن كل  المؤسسات والشخصيات، سأحاول تقييم عمله ولو أنّ كل تقييم يبقى نسبيّا مهما كانت خبرة «المقيّم»..
ودون الرّجوع الى الدور التاريخي للاتحاد ـ قيادات ومناضلين ـ في تحرير تونس من الاستعمار وهل ننسى استشهاد فرحات حشاد من أجل تونس ودفاعه الدّائم عن مصالح البلاد والعمّال، سأتناول الدّور الذي لعبه خلال السنوات القليلة الماضية..
ممّا لا يرقى إليه أيّ شكّ هو أنّ الاتحاد أنقذ تونس من مشروع الترويكا وخاصة من اختيارات النهضة التي كانت ترمي ـ آنذاك ـ الی أسلمة الشعب التونسي وفرض نمط ظلامي لا علاقة له بتجذر ثقافتنا في القيم الكونية والأصالة والاسلام الزّيتوني.. ففي ظل غياب أحزاب مدنية مؤثرة، كان للاتحاد دور محوري وفعال  في حماية مُثل الديمقراطية ومبادئها،  مدعوما في  ذلك بالمجتمع المدني ونساء البلاد وعدد من المناضلين الديمقراطيين والإعلاميين الشّجعان..
ورغم التهديدات والعنف، كان اتحاد الشغل ـ زمن الترويكا ـ  الراعي الرسمي لكلّ الاحتجاجات الديمقراطية حتى أصبح حامل لواء كل الديمقراطيين التونسيين بمن فيهم الأمنيون الرافضون للظلامية.. في غياب احزاب فاعلة، كانت المنظمة الشغيلة حصنا لتطلعات الديمقراطيين الى ان ظهر الرباعي الراعي للحوار ثمّ حزب نداء تونس بقيادة الباجي قائد السبسي  وثبّتت الجبهة الشعبية أمورها وتواصلت نضالات المسار والنداء..

كل هذه الإيجابيات التي أنجزت خاصّة بفضل صمود الاتحاد لا يمكن تناسيها لأنّ نجاح نداء تونس ورئيسه كان نتيجة مواقف المنظمة الشغيلة.. لن ينسى التاريخ هذا الدور الوطني الذي هيّأ الظروف الملائمة لانهاء حكم الترويكا وفتح ابواب الفوز في وجوه الأحزاب المدنية.. كما يجب التذكير بأنّ الاتحاد دافع بشراسة عن مصالح الشغالين وانتقد التوجهات الليبيرالية للحكومة وعدم فرضها للعدالة الجبائية وعدم اهتمامها على النحو الأمثل بالولايات المهمّشة!
كلّ هذه المواقف إيجابيّة وتتنزّل في طبيعة العمل النقابي ودور المنظمة الشغيلة وانحيازها لقضايا الوطن..
لكن في المقابل هناك سلبيات لا بدّ من التطرق اليها حيث تولّد مناخ متوتر داخل المؤسسة الاقتصادية وخارجها،  حوّل عددا من المستثمرين الى مواطنين غير مطمئنين على أرزاقهم، فقد وقع تهديد البعض وتعنيفهم في حين غادرت بعض الشركات الأجنبية تونس بسبب الانفلاتات النقابية والمطلبيّة المشطّة واعتماد الاضطرابات دون احترام حرية الشغل.. ومع الدّفاع عن مصالح العمّال، كان من الأفضل أن يتدخّل الاتحاد في بعض الاضرابات لتأطيرها أو منعها..
باسم الثورة تأزّمت العلاقة في بعض المؤسسات بين الأجير والمؤجر ممّا أدّى الى احتقان الأجواء، كما صارت العلاقة بين بعض النّقابات وبعض المؤسّسات والوزارات علاقة غريبة يخشى فيها المسؤولون ردّة فعل ان لم أقل بطش بعض القياديين في النقابة، وأحسن دليل على ذلك، ما يجري ـ حاليا ـ بين وزارة الصحة ونقابة مستشفى الحبيب بورقيبة بصفاقس التي تعاملت مع المدير الجديد وكأنّه عدو ومع الوزير وكأنه مواطن تونسي من درجة ثالثة.. لقد استمعنا الى كاتب عام نقابة المستشفى يبيح الجهاد ضدّ الصحافيين ويحاول فرض دولة «اللاقانون»، والاتحاد يسانده! كل هذه التصرّفات والمواقف غير مقبولة على الاطلاق لأنها تساهم في «تشليك» الدولة التونسية وتحاول ارساء سلطة النقابة بديلا عن سلطة القانون التي لم تتحقّق الى غاية اليوم.. وفضلا عن ذلك فقد سئم الرأي العام التونسي التهديد بالاضراب على سبيل المثال في قطاع التعليم  علما انّ  بلادنا بحاجة تجنّب الاضرابات في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة وكذلك الاضطرابات بعد الاتفاق على الزيادات في اطار التفاوض.. انّ بعض النقابات ليست لجانا ثورية وليست بمجالس ادارة ولا ديوانا وزاريّا حتى تتدخّل في القرارات وتساهم بمثل موقفها هذا في تأجيج الفوضى والتسيّب الذي ينحصر في بعض العقليات... فمع مساندتي المطلقة للاتحاد في الدّفاع عن مصالح منظوريه في إطار المفاوضات والتشاور ومع دعمي للمطالبة بالعدالة الجبائية والاهتمام بالولايات المهمّشة أرفض وبالصوت العالي ان تساهم أقلية من النقابات في تكبيل اقتصاد البلاد او في محاربة الإدارة التونسيّة وبعض القرارات الوزارية..

إنّ بلادنا بحاجة الى الحوار الجادّ حتى لا تقع شيطنة اتحاد الشغل وحتّى يتمّ الاتفاق على العدالة الاجتماعيّة وعلى الزيادات في الأجور،  وفي الآن نفسه على الاتحاد أن يساهم في تحقيق الاستقرار الاجتماعي لتونس وفي ضمان مناعتها. ومن جهتها، على الحكومة أن تصغي لأفكار الاتحاد التي ترمي إلى ارساء مجتمع حداثي تنتفي فيه الظلامية والليبيرالية المتهمّجة.